مركز الثقافة والمعارف القرآنية
394
علوم القرآن عند المفسرين
وحكمها فإنما الطريق إليه إثباتا أو نفيا طور آخر من البحث غير البحث الطبيعي الذي تتكفله العلوم الطبيعية ، فما للعلم الباحث عن الطبيعة وللأمر الخارج عنها ؟ فإن العلم الباحث عن المادة وخواصها ليس من وظيفته أن يتعرض لغير المادة وخواصها لا إثباتا ولا نفيا . ولو فعل شيئا منه باحث من بحاثه كان ذلك منه شططا من القول ، نظير ما لو أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك نفيا أو إثباتا » « 1 » . قال القرطبي في ذكر نكت في إعجاز القرآن ، وشرائط المعجزة وحقيقتها : « المعجزة واحدة معجزات الأنبياء الدالة على صدقهم صلوات اللّه عليهم ، وسميّت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها ، وشرائطها خمسة ، فإن اختل منها شرط لا تكون معجزة . فالشرط الأول من شروطها : أن تكون مما لا يقدر عليها إلا اللّه سبحانه . وإنما وجب حصول هذا الشرط للمعجزة ، لأنه لو أتى آت في زمان يصح فيه مجىء الرسل وادعى الرسالة ، وجعل معجزته أن يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد لم يكن هذا الذي ادعاه معجزة له ، ولا دالا على صدقه لقدرة الخلق على مثله ، وإنما يجب أن تكون المعجزات كفلق البحر ، وانشقاق القمر ، وما شاكلها مما لا يقدر عليها البشر . والشرط الثاني : هو أن تخرق العادة . وإنما وجب اشتراط ذلك ، لأنه لو قال المدعى للرسالة : آيتي مجىء الليل بعد النهار وطلوع الشمس من مشرقها ، لم يكن فيما ادعاه معجزة ، لأن هذه الأفعال وإن كان لا يقدر عليها إلا اللّه ، فلم تفعل من أجله ، وقد كانت قبل دعواه على ما هي عليه في حين دعواه ، ودعواه في دلالتها على نبوته كدعوى غيره ، فبان أنه لا وجه له يدل على صدقه ، والذي يستشهد به الرسول عليه السّلام له وجه يدل على صدقه ، وذلك أن يقول : الدليل على صدقي أن يخرق اللّه تعالى العادة من أجل دعواي عليه الرسالة ، فيقلب هذه العصا ثعبانا ، ويشق الحجر ويخرج من وسطه ناقة ، أو ينبع الماء من بين أصابعي كما ينبعه من العين ، أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادات ، التي ينفرد بها
--> ( 1 ) الميزان : ج 1 ، ص 73 - 89 .